تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٦ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٦
كباقي صفاته عين ذاته، فإفاضة الخيرات منه على الماهيات إنما هي لكونه بذاته جوادا، و بعلمه بوجه الخير في النظام ينشأ من الأشياء على أحسن الأنحاء و أفضلها في التمام.
قوله عز و جل: [سورة الحديد (٥٧): آية ٦]
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)
أي: يدخل ما نقص من كل منهما في الآخر حسب ما دبّره فيه من مصالح العباد و البلاد- كما نقل عن عكرمة و إبراهيم- و هو عليم بمكنونات أسرار خلقه و خفيّات ضمائر عباده كما يعلم وجوه الخير في نظام العالم، كيف و لو لم يكن عليما بخفيّات الأسرار لم يصدر عنه المخلوقات على أفضل ترتيب و أحسن نظام، فانظر أيها المتفكر في حكمة الباري وجوده إنه لو لم يخلق الأجرام النيّرات على الوضع الذي يقع بها التفاوت بين الليالي و الأيام و التفاضل بين النور و الظلام بأن تلج إحداهما في الآخر بأمره تارة و بالعكس تارة اخرى كذلك على نسق مضبوط و نظام محكم من غير اختلال و لا قصور لما انصلح حال الخلائق و الأنام على هذه الكيفية و التمام.
ألم تر كيف خلق اللّه النيّرات العلوية على هيئات و أوضاع ينتفع منها الكائنات السفلية من أنها لو ثبتت أنوارها أو لازمت دائرة الوجود لأثرت بإفراط فيما حاذاها و تفريط فيما وراء ذلك و لو لم يكن لها حركة سريعة لفعلت ما يفعله السكون و اللزوم، و لو لم يكن الأنوار الكوكبية ذات حركة سريعة مشتركة و اخرى بطيئة مختصة و لم يجعل دوائر الحركات البطيئة و سموتها مائلة عن سمت الحركة لما مالت تلك الأنوار إلى النواحي شمالا و جنوبا فلم تنتشر منافعها على بقاع الأرض،